تعليقُ الوالد -رَحِمَهُ اللهُ- على البيت الشهير: وَالأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لازِمُ * مَنْ لَمْ يُجَوِّدِ الْقُرَانَ آثِمُ






سئل -والدُنا- رَحِمَهُ اللهُ:
"قال ابنُ الجزريِّ في "مُقَدِّمَتِه"([1]):
"وَالأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لازِمُ * مَنْ لَمْ يُجَوِّدِ([2]) الْقُرَانَ آثِمُ

لِأَنَّهُ  بِهِ  الإِلَــٰـــــــــــــــــــــــــــــهُ أَنْزَلَا * وَهَٰــــــــكَذَا  مِنْهُ   إِلَيْنَا   وَصَلَا"
ما رأي فضيلتكم في هٰذا القول، وما هو الواجبُ على المسلم في هٰذا الباب؟"
فأجاب -رفع اللهُ درجاته في عِلّيّين-:
"الحقيقة أنني لا أجد في نفسي عِلمًا بالجواب علىٰ هٰذا السؤال، وإنما أقول: أنّ كُلَّ عِلمٍ ينبغي أن يؤخذ مِنَ المُتَخَصِّصين فيه، والإمامُ [ابنُ] الجزريّ –رَحِمَهُ اللهُ- هو بالإضافة إلىٰ إمامتِه في علوم القرآن والتجويد؛ هو مِن علماء الحديث أيضًا، فهو يشترك مع ابن كثيرٍ في هٰذه الحيثية؛ حيث جَمَع بين علومٍ عديدة، كالتفسير والحديث والتاريخ، فهو إذا قال هٰذه الكلمة؛ وَجب اتِّباعُه عليها؛ باعتبار أنَّ ربَّنا عَزَّ وَجَلَّ يَأمرُنا بذٰلك في عمومِ قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (34)﴾ (النَّحل).
ونحن كما نقول في كثيرٍ مِن المناسبات: صحيح [أننا] نحارِب التقليدَ ونُحَرِّم أنْ نَجْعَله دِينًا يُتَّبَع، ولٰكن نقول: التقليد -كما قال الإمامُ الشافعيُّ في القياس، القياس مع أنه مِن الأدلةِ الشَّرعيَّة الأربعة؛ هو كما قال الإمام الشافعي:- لا يُصار إليه إلَّا عِند الضرورة([3]).
فالتقليدُ في الوقتِ الذي نحن نُحارِب التديُّنَ به واتِّخاذَه مَذهبًا، كما عليه عامَّةُ المسلمين -مع الأسف- اليوم، لٰكنْ في الوقت نفسِه نقول: إنه كالقياس، فالقياس قال فيه الإمام الشافعيّ: ضرورة، لا يُصار إليه إلَّا لِلضَّرورة، كذٰلك التقليد لا يُصار إليه إلَّا لضرورة.
فمثلًا: رَجُلٌ عالِم باللغة العربية، لٰكنْ ليس عِنده فِقْه، ليس عِنده عِلْم بالحديث صِحَّةً وضعفًا، هٰذا لا بد مِن أن يُقلِّد الفقهاءَ ويُقلِّد المُحَدِّثين، لٰكنْ مَن كان عنده شيءٌ مِنَ الثقافة يَكون تقليدُه أخفَّ؛ لأنّ عنده شيئًا مِنَ الوعي والثقافة العامة يساعده علىٰ أن يتفهَّمَ طريقةَ الاستدلالِ بالحديث -مثلًا-،  لٰكنْ عامَّة الناس ماذا يفعلون؟ عامَّةُ الناس يَسألون العالِم، وواجبُهم أن يتحرَّوا العالِمَ أنْ يَكونَ عالِمًا بالكتاب والسُّنَّة، هٰذا واجب، لٰكنْ حينما يقول: (هٰذا حرام)؛ فعليهم أن يَتَّبعوه، إنِ استطاعوا أن يَفهموا مِن أين جاء التحريمُ؛ ما أَصْلُه؛ مِن الكتابِ مِنَ السُّنَّة مِن الاجتهاد؛ فهٰذا جيد، لٰكنْ ليس كلُّ الناس يستطيعون ذٰلك؛ فلا بد مِن التقليد.
أنا شخصيًّا أقول كلمةً موجَزةً بالنسبة لهٰذا السؤال:
أنا أفهم أنَّ الأُمَّةَ تَلَقَّتِ القرآنَ بهٰذه الأحكامِ التي أَجْمَعَ القُرَّاءُ جميعًا عليها، مثلًا: الإخفاء والإظهار والغُنّة، والمدّ الطبيعيّ والمدّ المتصل، المدّ المنفصل، هٰذه أشياء تلقَّتْها الأُمَّةُ بالقَبول، وليس هناك أيُّ مخالِف، فلا يجوز لرَجُلٍ لا عِلم عنده أن يقول: (أيش الدليل أنَّ المدَّ الطبيعيَّ يُمدّ حركتين ولا يُمدّ أكثر؟!) ونحو ذٰلك؛ لأننا نقول: هٰذا التلقِّي، كما تَلَقَّينا القرآن؛ تلقَّينا أيضًا تلاوتَه بهٰذه الطريقة.
هٰذا يُشبه -تمامًا- الفقه، كما أنَّ الفقهَ قِسمٌ كبيرٌ منه مَرجعه إلى الكتاب والسُّنَّة؛ فالمسائل الفِقهية علىٰ قسمين:
قِسم عليه دليل مِن الكتاب والسُّنَّة؛ فهُما المرجِعُ -بلا شكٍّ- عند الاختلاف.
وفيه([4]) مسائل استنباطِيَّة.
فما كان مِن هٰذه الأنواع المُستَنبَطة، فهٰذه الأمرُ فيها سَهْل، إنْ كان طالبُ العلم يستطيع أن يُرَجِّح قولًا علىٰ قولٍ بمُرَجِّحٍ مِنَ المرجِّحاتِ المَنصوصِ عليها في كُتبِ أصول الفقه؛ فبها، وإلَّا؛ فبأيِّ قولٍ أَخذ؛ فهو -إن شاء الله- مَعذورٌ عند اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ.
كذٰلك فيما يتعلَّق بعِلم القراءات والتجويد؛ فهناك مسائل مُتَّفق عليها، فلابد مِن اتِّباعِهم فيها بدون أيِّ نقاشٍ أو جَدل. وهناك مسائل مُختلَف فيها؛ فمَن تَمَكَّن مِن الترجيح -كما قلنا آنفًا في المسائل الفقهية-؛ فَعَل، ومن لا؛ فلْيَتَّبِعْ أيَّ قولٍ بَدا له.
فقلتُ: مِن المسائل المختلَف فيها بين القُرَّاء: الوقوفُ عند رؤوسِ الآي، ولو اتَّصلتِ الآيةُ بما بَعدها، فمنهم مَن يقول: الوقوف، وهٰذا الذي نَتَبَنَّاه، ومنهم مَن يقول: لا؛ ما دام المَعنىٰ لم يتمّ؛ كمِثلِ قَولِه تَعَالَىٰ: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4)﴾ (الماعون)، فهنا الوقوف -يقول هٰؤلاء- خطأ، وإنما ينبغي الوَصل.
نحن استطعنا حينما وَقفنا على النصّ، ودَعَمَنا في ذٰلك كثيرٌ مِن علماءِ القِراءةِ المُتقدِّمين([5]) [أن نُرَجِّحَ] أنَّ الصوابَ الوقفُ علىٰ رؤوسِ الآي، ولو كانت الآيةُ متصلةَ المَعنىٰ بالتي بَعدها، فمِثلُ هٰذا أَمْكننا الترجيح، أمّا في غيرِ ذٰلك، فالإنسان -كما قلنا آنفًا- يمشي علىٰ قولٍ ويكون معذورًا إن شاء الله. 
فقولُ ابنِ الجزري هٰذا في هٰذه الأرجوزة هو قولُ عالِمٍ مُختَصٍّ بعِلْمِه، فينبغي اتِّباعُه، إلَّا إذا تَبيَّن لنا خَطؤه، وهيهات! هيهات!" انتهىٰ كلامُ الوالدِ أَحْسَنَ اللهُ إليه([6]).

 


([1]) البيتان (27 و28).
([2]) وفي نسخة: "مَنْ لَمْ يُصَحِّحِ".
([3]) يُنظر "الرِّسالة" للإمام الشافعي؛ ص599 و600.
([4]) أي القسم الثاني.
([5]) يُنظر "إرواء الغليل" (2/ 59 – 62).
([6]) مِن أحد أشرطة الوالد رَحِمَهُ اللهُ -لا يَتْبَع أيَّ سلسلةٍ مِن سلاسِلِ الأشرطةِ المعروفة-.